أحمد زكي صفوت

267

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وأفلال بؤس ، وصرعى جدب ، تتابعت علينا سنون ثلاثة ، غبّرت « 1 » النّعم ، وأهلكت النّعم ، فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها ، فلم نزل نعلّل بذلك أنفسنا ، ونمنّى بالغيث قلوبنا ، حتى عاد مخّنا عظاما ، وعاد إشراقنا ظلاما ، وأقبلنا إليكم يصرعنا الوعر ، ويكنّنا « 2 » السهل ، وهذه آثار مصائبنا لائحة في سماتنا ، فرحم اللّه متصدقا من كثير ، ومواسيا من قليل ، فلقد عظمت الحاجة ، وكسف البال ، وبلغ المجهود ، واللّه يجزى المتصدقين » . 39 - أعرابي يستجدى وقال الأصمعي : كنت في حلقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا ، فقال : « أيها الناس ، إن الفقر يهتك الحجاب ، ويبرز الكعاب « 3 » ، وقد حملتنا سنو المصائب ، ونكبات الدهور ، على مركبها الوعر ، فواسوا أبا أيتام ، ونضو زمان ، وطريد فاقة ، وطريح هلكة ، رحمكم اللّه » . 40 - أعرابي يستجدى وقال الأصمعي : وقف أعرابي علينا فقال : « يا قوم : تتابعت علينا سنون بتغير وانتقاص ، فما تركت لنا هبعا ولا ربعا « 4 » ، ولا عافطة ، ولا نافطة « 5 » ، ولا ثاغية ولا راغبة ، فأماتت الزرع ، وقتلت الضّرع ، وعندكم من مال اللّه فضل نعمة ، فأعينونى من عطيّة ما آتاكم اللّه ، وارحموا أبا أيتام ، ونضو زمان ، فلقد خلّفت أقواما يمرضون ولا يكفّنون ميتهم ، ولا ينتقلون من منزل ، وإن كرهوه ، ولقد مشيت حتى انتعلت الدّماء ، وجعت حتى أكلت الثّرى » .

--> ( 1 ) غبره لطخه بالغبار : أو هي « غيرت » بالياء . ( 2 ) أي يسترنا . ( 3 ) جارية كعاب : نهد ثديها . ( 4 ) الهبع : الفصيل ينتج في آخر النتاج ، والربع : الفصيل ينتج في الربيع ، وهو أول النتاج . ( 5 ) النافطة : النعجة ، من العفط : وهو الضرط ، عفطت كضرب : ضرطت فهي عافطة ، والعفط أيضا : نثير الضأن تنثر بأنوفها كما ينثر الحمار ، والنافطة : العنز ، من النفط ، نفطت العنز كضرب : نثرت بأنفها أو عطست فهي نافطة ، أو لأنها تنفط ببولها : أي تدفعه دفعا ، أو النافطة اتباع العافطة ، أو العافطة : الأمة الراعية ، والنافطة : الشاة .